
يواجه الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة مثل الذهان أو الاضطراب ثنائي القطب فجوة صحية مقلقة إذ تشير الإحصاءات إلى أن متوسط أعمارهم يقل بنحو 15 إلى 20 عاما عن متوسط العمر المتوقع لعامة السكان وهذا التفاوت الصحي لا يرتبط بالمرض العقلي نفسه بشكل مباشر بل يعود إلى ارتفاع معدلات إصابتهم بأمراض جسدية مزمنة.
يكشف تحليل أعمق أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا محوريا في هذه الأزمة فالعيش في بيئة محرومة اجتماعيا واقتصاديا لا يزيد فقط من خطر الإصابة بالاضطرابات العقلية من الأساس بل يضاعف أيضا من احتمالية تعرض هؤلاء المرضى لمشاكل صحية جسدية وتظهر الأبحاث أن احتمالية إقامة المصابين بأمراض عقلية شديدة في المناطق الأكثر حرمانا اجتماعيا تزيد بنحو 3.6 مرة مقارنة بباقي الأفراد.
وتساهم السلوكيات الصحية المحفوفة بالمخاطر في تفاقم هذا الوضع الصحي المعقد فالدراسات تبين أن سكان المناطق المحرومة أكثر عرضة بنسبة تتراوح بين أربع وخمس مرات للانخراط في سلوكيات غير صحية وهذا ينعكس بوضوح على مرضى الاضطرابات العقلية حيث يدخن حوالي 40% منهم مقارنة بـ 15% فقط من عامة الناس كما أنهم أكثر عرضة بثلاث إلى أربع مرات لتعاطي الكحول أو المخدرات.
لا يمكن تفسير هذه الأنماط السلوكية بأنها مجرد خيارات شخصية غير موفقة فالأدوية المستخدمة في علاج الأمراض العقلية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على شهية المريض ومستويات الطاقة لديه مما يؤدي إلى زيادة الوزن واتباع نظام غذائي غير صحي وقد وثقت إحدى الدراسات زيادة في الوزن بمعدل 12 كيلوجراما في المتوسط خلال أول 24 شهرا بعد التشخيص.
قد تكون بعض هذه السلوكيات محاولات للتداوي الذاتي أو للتكيف مع الآثار الجانبية للأدوية على سبيل المثال قد يلجأ البعض للتدخين بعد بدء العلاج الدوائي حيث يُعتقد أن النيكوتين يسرع من عملية استقلاب الجسم للأدوية المضادة للذهان مما قد يقلل من حدة آثارها الجانبية ويساعد المريض على تحملها بشكل أفضل.
نتيجة لهذه العوامل المتشابكة يرتفع خطر إصابة مرضى الاضطرابات العقلية الشديدة بمجموعة من الحالات الجسدية فهم أكثر عرضة بمرتين للإصابة بالسمنة أو السكري أو مرض الانسداد الرئوي المزمن وتزيد احتمالية إصابتهم بأمراض القلب بمقدار 1.5 مرة عن الشخص العادي ورغم وجود برامج تهدف لمساعدتهم على التحكم بصحتهم فإن هذه التدخلات غالبا ما تكون غير كافية لمواجهة حجم المشكلة.