
كشف فريق من الباحثين في إنجاز علمي بارز عن هوية البكتيريا المسؤولة عن أول جائحة مسجلة في التاريخ والتي اجتاحت مناطق شاسعة من أوروبا والشرق الأوسط قبل نحو 1500 عام. هذا الطاعون المدمر الذي استمر لقرنين كاملين تسبب في هلاك الملايين وأثر بشكل عميق على مسار الحضارات في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ركزت الأبحاث الحديثة على مقبرة جماعية تم اكتشافها في مدينة جرش شمال الأردن حيث يعود تاريخ الرفات البشرية فيها إلى الفترة بين عامي 550 و 600 ميلادي وهي الفترة التي تتزامن مع ذروة الوباء. وقام العلماء بدراسة الحمض النووي المستخرج من أسنان عدة جثث في هذا الموقع الذي تصفه الكتابات القديمة بأنه شهد ارتفاعا مفاجئا وحادا في أعداد الوفيات.
يعرف هذا الوباء تاريخيا باسم طاعون جستنيان وقد سمي بذلك نسبة إلى الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول الذي أصيب بالمرض لكنه نجا منه بأعجوبة. واستمر هذا الطاعون لأكثر من قرنين من الزمان بين عامي 541 و 767 ميلادي وحصد أرواح ما لا يقل عن عشرة ملايين شخص ويعتقد المؤرخون أنه كان سببا رئيسيا في إضعاف وانهيار إمبراطوريات بأكملها ولا يزال يجذب اهتمام الدارسين بعد مرور قرون طويلة على نهايته.
وتقدم دراستان علميتان جديدتان أول دليل جينومي قاطع يثبت أن بكتيريا يرسينيا بيستيس هي العامل المعدي المسؤول عن هذا الطاعون. وتعد هذه النتيجة بالغة الأهمية لأنها المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف وجود هذه البكتيريا في قلب الإمبراطورية البيزنطية خلال تلك الحقبة مما يساعد على تتبع مسار انتشار الوباء بدقة أكبر حيث كانت الاكتشافات السابقة مقتصرة على مواقع في فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة.
هذه البكتيريا نفسها هي المسؤولة عن أوبئة طاعون شهيرة أخرى عبر التاريخ مثل طاعون هونغ كونغ في القرن التاسع عشر وطاعون مرسيليا عام 1720 والموت الأسود الذي ضرب أوروبا. وقد تجاوز الباحثون في دراساتهم الجديدة مجرد التأكيد على وجود البكتيريا بل سعوا للإجابة على سؤال أعمق حول ما إذا كانت هي المسبب الوحيد أم أن هناك عوامل أخرى ساهمت في الكارثة.
في دراسة أخرى تم التركيز على تحليل الجينوم الخاص ببكتيريا يرسينيا بيستيس عبر فحص مئات العينات من موقع جرش بالإضافة إلى عينات أحدث. وأظهرت النتائج أن سلالات من هذه البكتيريا كانت موجودة بالفعل ومنتشرة بين السكان قبل آلاف السنين من تفشي طاعون جستنيان مما يفتح الباب أمام فهم أوسع لتاريخ تطور هذا العامل الممرض وعلاقته بالبشر.